ليست العربية مجرّد لغة، بل هي كونٌ من الدلالات، وبحرٌ لا تنقضي عجائبه. فهي من أغنى لغات العالم بالمفردات، وأوسعها قدرةً على التصوير، وأدقّها في التعبير عن المعاني والصفات والأحاسيس. وما يميّزها حقًّا أنّها لا تكتفي بتسمية الأشياء، بل تمنح أدقّ الفروق بينها اسمًا خاصًّا، وكأنها تُلبس كلّ معنى ثوبه الذي لا يشاركه فيه غيره.
ومن الكلمات التي قلّ استعمالها في هذا الزمان، مع ما تختزنه من دقّة وجمال، نذكر: الأكتع مقطوع اليد، والأجدع مقطوع الأنف، والحُطيئة قصير القامة، والأشيم من في جلده شامة، والأعشى كليل البصر، والأصلم مقطوع الأذن، والأرمع من له أصابع زائدة، والأبتر مقطوع الساق أو القدم، والأحوص من كانت إحدى عينيه أكبر من الأخرى، والجاحظ من كانت عيناه بارزتين، والأدعج واسع العينين السوداوين، والأحنف الأعرج، والدريد من لا أسنان في فمه، والأمرد من لا ينبت الشعر على وجهه، والجعسوس اللئيم، والأثرد من في شفتيه تشقّق، والأخطل مسترخي الأذنين، والوخواخ مسترخي البطن، والأكتم عظيم البطن، والجلجال شديد الصوت، والخنساء من كان أنفها متأخّرًا مع ارتفاع في أرنبته، والفرزدق القصير الغليظ المستدير الوجه، والنجلاء واسعة العينين، والأشعب عريض المنكبين، والأذرأ أبيض شعر الرأس، والشنفرى كبير الشفتين، والأوطف كثير شعر الحاجبين.
هذه بعض الصفات الخَلْقية التي أوردها لسان العرب، فجعل لكلّ صفة منها اسمًا مستقلًّا، حتى يكفي أن تُذكر الكلمة ليُدرك العارفون باللغة والأدب معناها من غير حاجة إلى شرح أو إطالة. وذلك شاهدٌ على ثراء العربية ودقّتها، وعلى عبقرية أهلها في صوغ الألفاظ على قدر المعاني.
غير أنّ المفارقة المؤلمة تكمن في أنّنا، كلّما اتّسعت اللغة، ضاق واقعنا. فالمشكلة ليست في فقر المفردات، بل في فقر القيم التي تعبّر عنها. لقد ورثنا لغةً تُحسن التفريق بين أدقّ الصفات، لكنّنا نعيش زمنًا تتشابه فيه الوجوه والأفعال حتى تكاد تجمعها كلمة واحدة: الفساد.
أمّا الكلمات الأكثر تداولًا في هذا الزمن التعيس فهي، باختصار: السارق، والمختلس، والمحتال، والنصّاب، واللصّ، والسالب، والناهب، و«لاعب الثلاث ورقات»، و«الكشتبنجي»، والمختال، والدجّال، والفاسد، والمفسد، والضالّ، والمضلّ... وما أكثر المفردات المتشابهة، و«هات ما عندك... هات».
وللأسف، يجد القارئ أنّ هذه الألفاظ تكاد تنطبق على بعض سياسيّي المحاور، وماسكي الدفاتر، ومدوّري الزوايا، ومتلوّني الخبايا، وحاجبي العطايا في لبنان!
وكان يا ما كان...